الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

192

الأخلاق في القرآن

الإلهيّة ، تلك الرحمة التي سُلبت من الإنسان إثر ارتكابه للمعصية والذّنب ، فبعد عودته لموقع العبودية والعبادة ، تمتد إليه الرّحمة الإلهيّة من جديد ، وبناءاً على ذلك فإنّ أحد أسماء الباري تعالى ، هو ( التواب ) . و « التّوبة » في الحقيقة : هي مشترك لفظي أو معنوي بين اللَّه وعباده ، ( ولكن إذا ما نُسبت للعبد ، تتعدى بكلمة « إلى » ، وإذا ما نُسبت للباري تعالى ، فهي تتعدى بكلمة « على » ) « 1 » . وورد في « المحجّة البيضاء » ، عن حقيقة التّوبة فقال : « إعلم أنّ التّوبة عبارةٌ عن معنى ينتظم ويلتئم ، من ثلاثة امورٍ مرتّبةٍ : علم وحال وفعل ، فالعلم أوّل والحال ثان والفعل ثالث ، أمّا العلم فهو معرفة عِظم ضرر الذنوب ، وكونها حجاباً بين العبد وبين كلّ محبوب ، فإذا عرفت ذلك معرفةً محقّقةً بيقينٍ غالب على قلبه ، ثار من هذه المعرفة ، تألّمٌ للقلب بسبب فوات المحبوب ، فإنّ القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألّم ، فإن كان فواته بفعله تأسّف على الفعل المفوّت ، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندماً ، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى ؛ انبعث من هذا الألم في القلب ، حالةً اخرىً تسمّي إرادةً وقصداً إلى فعلٍ له تعلّق بالحال وبالماضي والاستقبال . فثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب ، نار الندم فيتألّم به القلب ، حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أن صار محجوباً عن محبوبه » « 2 » . وهو الشّيء الذي يدعوه البعض : بالثّورة الروحيّة والنفسيّة ، ويعتبرون التّوبة نوعاً من الانقلاب الرّوحي ، في باطن الإنسان على كلّ شيء ، وتحثّه هذه الحالة على اتخاذ موقف جديد ، حيال أعماله وبرامجه الآتية ، من موقع الوضوح في الرّؤية لعناصر الخير والشرّ . 2 - وجوب التّوبة إتّفق علماء الإسلام على وجوب التّوبة ، وكذلك فإنّ القرآن قد صرّح بها في الآية ( 8 )

--> ( 1 ) . تفسير الفخر الرازي وتفسير الصّافي ، ذيل الآية 37 من سورة البقرة . ( 2 ) . المحجّة البيضاء ، ج 7 ، ص 5 .